ابن تيمية

60

مجموعة الرسائل والمسائل

الظالم وبين العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا ، ولا يغضب لا على هذا ولا على هذا كان الأول أكمل . وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يقدر أن يفعل بيديه ويقبل بوجهه والآخر لا يمكنه ذلك إما لامتناع أن يكون له وجه ويدان ، وإما لامتناع الفعل والإقبال عليه باليدين والوجه كان الأول أكمل . فالوجه واليدان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك ، ووجه كل شيء بحسب ما يضاف إليه وهو ممدوح به . لا مذموم كوجه النهار ، ووجه الثوب ، ووجه القوم ، ووجه الخيل ، ووجه الرأي ، وغير ذلك ، وليس الوجه المضاف إلى غيره هو نفس المضاف إليه في شيء من موارد الاستعمال سواء كان الاستعمال حقيقة أو مجازاً . فإن قيل : من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه أكمل ممن يفعل بيديه . قيل من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء وبيديه إذا شاء هو أكمل ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه ، ولا يمكنه أن يفعل باليد ، ولهذا كان الإنسان أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها كالنار والماء ، فإذا قدر اثنان أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه ، والآخر يمكنه الفعل بقوة فيه وبكلامه فهذا أكمل ، فإذا قدر آخر يفعل بقوة فيه وبكلامه وبيديه إذا شاء فهو أكمل وأكمل . وأما صفات النقص فمثل النوم ، فإن الحي اليقظان أكمل من النائم والوسنان والله لا تأخذه سنة ولا نوم ، وكذلك من يحفظ بلا اكتراث أكمل ممن يلزمه ذلك والله تعالى وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما ، وكذلك من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب . ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز ، والحياة دون الموت ، والسمع والبصر والكلام دون الصم والعمي والبكم ، والضحك دون البكاء ، والفرح دون الحزن . وأما الغضب مع الرضاء والبغض مع الحب فهو أكمل ممن لا يكون منه إلا الرضى والحب دون البغض والغضب للأمور التي تستحق أن تذم وتبغض ،